الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
124
نفحات القرآن
فتارة يقولون : إنَّ العقل يحد من تصرفات الإنسان ويسلبه حرّيته ، حيث يجعل أمامه موانع تحول بينه وبين ما يريد أن يقوم به من عمل حراماً كان أو حلالًا حسناً أو قبيحاً خيراً أو شرّاً ، فلو لم تكن لنا عقول لكنّا أحراراً . وتارة يقولون : إنّه يسلب راحة الإنسان حيث نرى العقلاء والأذكياء من الناس لا راحة لهم ، إلّاأنّ البسطاء من الناس فرحون وسعداء دائماً لانعدام تأثير العقل عليهم . وإذا قرأنا أشعاراً مفادها ذمُّ العقل أو الانتقاص منه أو الاستهانة به فمن الواضح كونها مزاحاً أو سفسطة أو كناية عن مفاهيم أخرى ويستبعد أن يكون مرادهم ذم العقل ، بل إنّهم يقصدون أنّ هناك اموراً مؤلمة تحيطهم ، والناس في غفلة عنها . أو أنّ قصدهم من الجنون المذكور في بعض الأشعار كصفة للعقل ، هو الجنون العرفاني والمراد منه العشق الإلهي ، والتضحية بكل شيء في سبيله . وعلى أيّة حال ، صحيح أنّ العقل يقيد حرية الإنسان وبعض تصرفاته ، إلّا أنّ هذا فخر له ، لأنّه يرشدهُ نحو التكامل ، إنَّ هذا الادّعاء يُشْبِهُ ادعاء من قال : « إنّ الإحاطة بعلم الطب يحد من انتخاب الإنسان لأنواع الأطعمة ومن أمور أخرى » ، وهل هذا نقص ؟ ! أم أنّه ينقذ الإنسان من الإصابة بالأمراض وفي بعض الأحيان من التسمم القاتل . أمّا القول بأن العقل يزيد من هموم الإنسان وأحزانه ، فهذا يرفع من منزلة الإنسان ، العاقل من يتحسّس آلام المضطهدين والمظلومين ويتألم من سلوك المعاندين وبالتالي فهو دليلٌ على الكمال ، وكما جاء في المثل : ( إمّا أن يكون ضعيفاً ونحيفاً كسقراط في زهده أو سميناً وبديناً كالخنزير ) . نعم ، إذا غفلنا عن مسألة التكامل الإنساني واعتبرنا الأصل في الحياة هو اللذّة المادية ، فان ما يتفوه به بعض المؤيدين لأصالة اللذة المادية صحيح ، لكن هذا الحديث مضحك ولا قيمة له من وجهة نظر الإنسان الموحّد الذي يؤمن بالرسالة والهدف وتكامل الإنسان . إضافة إلى هذا ، فإنّ المؤيدين لأصالة اللذة مضطرون لأنّ يسلموا ويخضعوا لكثير من القوانين الاجتماعية الحادة من حرياتهم وتصرفاتهم ، وأن يفرضوا على أنفسهم العناء من